بيروت.. محكمة الجنايات تصدر حكمًا ببراءة فضل شاكر وأحمد الأسير

هبة الخاروف

أصدرت محكمة الجنايات في بيروت، اليوم الأربعاء، حكمًا ببراءة الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير في دعوى محاولة قتل مسؤول “سرايا المقاومة”، في صيدا هلال حمود.

خبرٌ لم يمرّ كأي خبر قضائي عادي، بل أعاد دفعةً واحدة فتح واحدة من أكثر الحكايات جدلًا وتعقيدًا في الذاكرة العربية خلال السنوات الأخيرة؛ حكاية فنان بدأ رحلته بصوتٍ يشبه الحب، وانتهى اسمه في قلب العواصف السياسية والأمنية والانقسامات الحادة. 

لطالما كان فضل شاكر صوتًا يشبه الناس ويترك في القلب شيئًا من الحنين والانكسار معًا.

من “يا غايب” إلى “لو على قلبي” إلى “كيفك ع فراقي”، لم يكن مجرد مطرب رومانسي، بل حالة شعورية كاملة ارتبطت بجيل عربي عاش الحب والخسارات والأحلام المؤجلة على صوته.

وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا كل ما حدث معه لاحقًا صادمًا للكثيرين، لأن الرجل الذي فرض إحساسه في أغانيه، كان أيضًا ثابتًا في مواقفه إلى حدّ دفع أثمان قاسية بسببها.

الفنان الذي غنّى للحب بكل تلك الرهافة، اختار في لحظة مفصلية أن يخرج من عباءة الفن إلى صخب السياسة، ومن المسرح إلى ساحات الاشتباك والانقسام.

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، بدا فضل شاكر وكأنه يغني للمرة الأولى بصوته الحقيقي لا بصوته الفني فقط. 

“مستمر بالدفاع عن الثورة السورية ولو قطعوا رأسي”، في تصريح أثار عاصفة من الجدل والهجوم عليه داخل لبنان وخارجه، لم يخفِ شاكر دعمه للثورة، ورفع موقفه السياسي علنًا في وقت كان فيه الاصطفاف الإقليمي والطائفي يزداد احتدامًا في لبنان.


اقترب فضل شاكر في تلك المرحلة من رجل الدين الشيخ أحمد الأسير، الذي تصاعد نجمه في مدينة صيدا اللبنانية بخطاب حاد ضد ميليشيا “حزب الله”، وتدخل الحزب في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد.

تحوّل الأسير تدريجيًا إلى أحد أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في لبنان، بالنسبة لأنصاره كان صوتًا سنّيًا معترضًا، وبالنسبة لخصومه كان مشروع فتنة مسلحة.

وفي عام 2012 أعلن فضل شاكر اعتزاله الفن، قرار صدم جمهوره العربي، لكنه لم يكن اعتزالًا هادئًا، بل كان بداية تحوّل جذري في حياته.

حيث ظهر إلى جانب أحمد الأسير في خطابات ومواقف سياسية حادة، وبدأ اسمه يرتبط بالمشهد الأمني أكثر من الوسط الفني.

ثم جاءت أحداث منطقة عبرا في حزيران 2013 حيث اندلعت معارك دامية بين الجيش اللبناني ومسلحين تابعين لأحمد الأسير في المنطقة وأسفرت عن مقتل عدد من العسكريين اللبنانيين.

ومنذ تلك اللحظة، أصبح فضل شاكر مطلوبًا للقضاء اللبناني، بعدما وُجهت إليه اتهامات بالمشاركة أو التغطية أو الدعم اللوجستي ضمن ملف الأحداث، رغم إصراره المتكرر على أنه لم يشارك مباشرة في قتل جنود الجيش اللبناني. 

هرب الشيخ أحمد الأسير ثم اعتُقل لاحقًا عام 2015 بعد سنوات من التخفي، وصدر بحقه حكم بالإعدام ثم أحكام أخرى مشددة في قضايا مرتبطة بأحداث عبرا.

أما فضل شاكر، فاختفى داخل مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، وعاش سنوات طويلة بين الملاحقة الأمنية والعزلة السياسية والانقسام الشعبي حوله.

وخلال تلك السنوات، كان فضل شاكر يعيش تناقضًا غريبًا رجل مطلوب أمنيًا لكنه لا يزال حاضرًا بصوته في كل مكان.

جزء كبير من جمهوره العربي، خصوصًا من السوريين المعارضين للنظام، رأوا فيه فنانًا دفع ثمن موقفه السياسي كاملًا، بينما اعتبره آخرون متورطًا في خطاب التحريض والانزلاق نحو العنف.

على الصعيد الفني، دفع فضل شاكر ثمنًا باهظًا، اختفى عن الحفلات والمسارح والإعلام الرسمي، وتحولت مسيرته من “ملك الإحساس”، إلى فنان يطلق أغانيه من المنفى والخفاء.

حتى أغانيه الجديدة باتت تحمل شعور المطارد والحنين والانكسار، وكأن صوته نفسه صار يعيش حالة اللجوء.

ومع سقوط النظام السوري أواخر 2024، عاد اسم فضل شاكر بقوة إلى الواجهة وعبر عن فرحته بسقوط بشار الأسد بعد أكثر من 13 عامًا من الحرب، وأطلق أغنيته التي حملت طابعًا احتفاليًا بالحدث السوري “الشام فتح”.


ومع ذلك، لا يعني هذا الحكم إغلاق جميع الملفات القضائية المتعلقة بالرجلين، إذ لا تزال قضايا أخرى مرتبطة بأحداث عبرا مطروحة أمام القضاء اللبناني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر مشاهدة

الأحدث

Add New Playlist