هبة الخاروف
في زيارة وُصفت بالتاريخية، زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العاصمة دمشق يوم الإثنين الماضي، في أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ 18 عامًا، في محطة اعتبرت تحولًا بارزًا في مسار العلاقات السورية الفرنسية بعد سنوات من القطيعة السياسية.
وجاءت الزيارة في توقيت حساس تشهده سوريا على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية، إذ حملت في طياتها رسائل تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، لتؤكد توجه باريس نحو إعادة بناء علاقاتها مع دمشق، والانخراط في مرحلة جديدة عنوانها التعاون السياسي، والاستثمار الاقتصادي، ودعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.
عرض هذا المنشور على Instagram
تمت مشاركة منشور بواسطة New Syria Agency وكالة سوريا الجديدة (@nsa.syr)
ولم تقتصر الزيارة على اللقاءات الرسمية، بل شهدت جولات ميدانية في دمشق، إلى جانب توقيع حزمة من الاتفاقيات الاقتصادية والمصرفية واتفاقات النقل الجوي، في مشهد عكس رغبة البلدين في فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية.
وعلى الرغم من وقوع انفجارين في العاصمة دمشق، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن زيارته ستستمر. وجاء هذا التصريح ليحمل رسائل سياسية واضحة، مفادها أن فرنسا ماضية في تعزيز انخراطها مع سوريا، وأن التطورات الأمنية لن تحول دون استمرار الحوار بين البلدين أو تعطيل جدول الزيارة.
كما شدد ماكرون على أن “لا شيء يمكن أن يقوض رغبة السوريين في العيش داخل بلد يتمتع بسيادة وأمن كاملين”، معتبرًا أن مستقبل سوريا يجب أن يُبنى على الاستقرار وسيادة الدولة، بعيدًا عن محاولات زعزعة الأمن أو تقويض مسار التعافي.
عرض هذا المنشور على Instagram
تمت مشاركة منشور بواسطة New Syria Agency وكالة سوريا الجديدة (@nsa.syr)
الشرع: زيارة تاريخية تتوج مسارًا من العمل المشترك
من جانبه، وصف الرئيس أحمد الشرع زيارة نظيره الفرنسي بأنها “علامة تاريخية فارقة” في مسار العلاقات بين البلدين، وتمثل تتويجًا لمسار من العمل المشترك الهادئ والعميق.
وقال الشرع إن سوريا تفتح أبوابها اليوم أمام شراكة متكافئة مع فرنسا، وتؤكد دورها بوصفها جسرًا حيويًا للتواصل بين الشرق والغرب، مشيرًا إلى أن الدولة السورية تواصل العمل بإيجابية لاستكمال مسار الاندماج الوطني، بالتوازي مع الانفتاح على الشركاء الدوليين.
وأضاف أن الزيارة لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستثماري، بما ينسجم مع رؤية سوريا لإعادة بناء اقتصادها وتعزيز حضورها في الأسواق الإقليمية والعالمية.
خارج البروتوكول.. دمشق القديمة تكشف جانبًا مختلفًا من الزيارة
بعيدًا عن قاعات الاجتماعات الرسمية، حملت زيارة ماكرون إلى دمشق مشاهد بدت أكثر قربًا من الطابع الإنساني، في رسالة عكست رغبة الجانبين في إظهار مستوى جديد من العلاقات بين سوريا وفرنسا.
فقد اصطحب الرئيس أحمد الشرع نظيره الفرنسي في جولة داخل أحياء دمشق القديمة، حيث تجولا بين الأسواق والأزقة التاريخية التي تعكس إرث العاصمة الممتد لقرون، قبل أن يزورا الجامع الأموي، أحد أبرز المعالم الحضارية والدينية في سوريا.
عرض هذا المنشور على Instagram
تمت مشاركة منشور بواسطة New Syria Agency وكالة سوريا الجديدة (@nsa.syr)
ولم تكن الجولة مجرد محطة سياحية ضمن برنامج الزيارة، بل حملت أبعادًا سياسية وثقافية، إذ اختارت دمشق أن تقدم نفسها أمام الرئيس الفرنسي بصورة المدينة التي حافظت على تاريخها وتنوعها الحضاري، رغم سنوات الحرب.
الشرع: دمشق القديمة تختصر تاريخ سوريا وتنوعها.
وخلال الجولة، قال الرئيس أحمد الشرع إن دمشق القديمة تعكس عراقة المدينة وتنوعها الحضاري، مشيرًا إلى أن مساجدها وكنائسها وخاناتها، وصولًا إلى الجامع الأموي، تشكل نموذجًا للتعايش الذي ميّز سوريا عبر تاريخها.
وأكد أن هذا التنوع يمثل جزءًا من هوية الدولة السورية، ورسالة بأن سوريا التي تتجه نحو مرحلة جديدة تستند إلى إرث حضاري وإنساني عريق، يجمع بين مختلف الثقافات والأديان.
وجاءت تصريحات الشرع في وقت تحاول فيه دمشق تعزيز حضورها الإقليمي والدولي، من خلال إبراز الجانب الحضاري والثقافي للبلاد، إلى جانب مسارها السياسي والاقتصادي.
ماكرون: لا شيء يقوض إرادة السوريين
وفي واحدة من أبرز رسائل الزيارة، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن “لا شيء يمكن أن يقوض رغبة السوريين في العيش داخل بلد يتمتع بسيادة وأمن كاملين.”
وجاء هذا التصريح ليعكس موقفًا فرنسيًا داعمًا لاستقرار سوريا ووحدة أراضيها، مؤكدًا أن الشعب السوري يستحق مستقبلًا يقوم على الأمن والسيادة والتنمية.
كما شدد ماكرون على أن فرنسا تقف إلى جانب الشعب السوري ومصالحه، وأنها لن تتخلى عن دعمه، مشيرًا إلى أن هناك فرصًا استثمارية كبيرة في سوريا، وأن بلاده تعمل على توفير الظروف التي تسهم في عودة اللاجئين، إلى جانب المساعدة في إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وبناء الثقة في المرحلة المقبلة.
وفي رسالة حملت دلالات سياسية واقتصادية، اعتبر الرئيس الفرنسي أن التحديات التي تواجه سوريا لا تلغي الفرص المتاحة أمام الشركات الفرنسية، مؤكدًا أن باريس تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها فرصة لإعادة بناء شراكة طويلة الأمد مع دمشق.
شراكة اقتصادية جديدة.. اتفاقيات تفتح آفاق التعاون بين دمشق وباريس
شكّلت الملفات الاقتصادية أحد أبرز محاور زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، حيث اختتمت المباحثات بين الجانبين بتوقيع إعلان إطار تعاون شامل، يهدف إلى تعزيز العلاقات السورية الفرنسية وفتح مسارات تعاون في قطاعات حيوية.
وشمل الإعلان توقيع مذكرة تفاهم مصرفية للتعاون في مجال التعزيز المؤسسي والدعم الفني وبناء القدرات لمصرف سوريا المركزي، إلى جانب مذكرة تفاهم اقتصادية لتعزيز التعاون الاقتصادي وتنمية العلاقات التجارية بين دمشق وباريس.
كما وقع الجانبان إعلان نوايا في مجال الطيران المدني، في خطوة تستهدف توسيع آفاق التعاون في قطاع النقل الجوي، إضافة إلى بروتوكول اتفاق للشحن الجوي يهدف إلى تطوير إدارة وتداول الشحنات المنقولة جوًا وتسويق خدمات الشحن بين البلدين.
وتُعد هذه الاتفاقيات أول حزمة تعاون اقتصادي بهذا المستوى بين سوريا وفرنسا منذ سنوات، وتعكس توجهًا نحو إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية وتهيئة الأرضية أمام دخول الشركات الفرنسية إلى السوق السورية خلال المرحلة المقبلة.
الشرع: سوريا تبني بيئة استثمار جديدة ونريد فرنسا شريكًا أول
وخلال جلسة المباحثات الاقتصادية التي جمعته بالرئيس الفرنسي في قصر الشعب، أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا استعادت مكانتها كنقطة ربط أساسية في سوق الممرات العالمية، مشيرًا إلى أن الدولة تعمل على بناء بيئة استثمار حديثة تقوم على المؤسسات وتواكب المتغيرات الاقتصادية.
وأوضح أن الحكومة تواصل تحديث الأطر التنظيمية للاستثمار بهدف جعلها أكثر جذبًا لرؤوس الأموال، داعيًا الشركات الفرنسية إلى الاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات.
وقال الشرع: “نريد لفرنسا أن تكون شريكنا الأول في سوق الممرات العالمية”، مضيفًا أن “من استثمر في سوريا مبكرًا ربح مبكرًا”، في إشارة إلى ما وصفه بمرحلة جديدة من الفرص الاقتصادية التي تشهدها البلاد.
كما كشف أن المباحثات مع الجانب الفرنسي أثمرت رزمة استراتيجية من الاتفاقيات والعقود مع كبرى الشركات الفرنسية، تقوم على مشاريع عملية تستهدف تحقيق منافع متبادلة للشعبين السوري والفرنسي.
وعلى الصعيد السياسي أعلن الشرع اتفاق الجانبين على تبادل السفراء بين دمشق وباريس، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس تطور العلاقات الثنائية.
ماكرون: فرص كبيرة أمام الشركات الفرنسية
من جانبه، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن سوريا تمتلك فرصًا استثمارية واعدة، مشيرًا إلى أن الشركات الفرنسية تنظر باهتمام إلى المرحلة الجديدة التي تشهدها البلاد.
وقال ماكرون إن بلاده كانت من أوائل الدول التي انطلقت في مرحلة رفع العقوبات عن سوريا، معتبرًا أن هذه الخطوة ستسهم في تحريك عجلة الاقتصاد وتهيئة الظروف المناسبة للاستثمار.
وأضاف أن هدف فرنسا يتمثل في بناء ثقة جديدة في سوريا والمساهمة في إعادة هيكلة الاقتصاد، مؤكدًا أن التحديات القائمة لا تلغي الفرص المتاحة أمام الشركات الفرنسية، بل تجعل من التعاون الاقتصادي ضرورة لتحقيق الاستقرار والتنمية.
كما شدد على أن فرنسا تعمل على توفير الظروف التي تتيح عودة اللاجئين السوريين، مؤكدًا أن باريس ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوري ومصالحه، ولن تتخلى عن دعمه في المرحلة المقبلة.
الآثار السورية تعود إلى دمشق بعد أكثر من عقد
ولم تقتصر نتائج الزيارة على الملفات السياسية الاقتصادية، إذ أعلنت وزارة الخارجية السورية استعادة 23 قطعة أثرية كانت معارة إلى معهد العالم العربي في باريس منذ عام 2010، مشيرة إلى أن انقطاع العلاقات بين البلدين خلال عهد النظام السابق حال دون استعادتها في موعدها.
الإليزيه: إعادة 51 مليون يورو من أصول مصادرة لعائلة الأسد
وفي خطوة وُصفت بأنها ذات دلالات سياسية واقتصادية، أعلن قصر الإليزيه بدء الإجراءات الخاصة بإعادة 51 مليون يورو إلى دمشق، وهي أموال صودرت سابقًا من أصول تعود لعائلة الأسد في فرنسا.
ويأتي هذا الإعلان بالتوازي مع الانفتاح الذي تشهده العلاقات بين البلدين، في مؤشر على انتقال التعاون السوري الفرنسي إلى ملفات جديدة، تشمل الجوانب الاقتصادية والمالية، إلى جانب الشراكة السياسية والاستثمارية.
عرض هذا المنشور على Instagram
تمت مشاركة منشور بواسطة New Syria Agency وكالة سوريا الجديدة (@nsa.syr)






